التعليم المصندق

تعودنا منذ سنوات التعليم الأولى على النظام التعليمي المجتزأ، الذي يقدم المعلومات إلى المتعلم في صناديق معزولة عن بعضها وعما يمكن أن يُستفاد منها في الحياة، فكل منهج دراسي كأنه صندوق يدخله الطالب ليدرسه ويختبر فيه ثم يخرج منه ليغلق الصندوق ويختم عليه الدرجة التي حصل عليها.

بعد سنين من إنهاء التعليم المدرسي، أجدني بحاجة إلى مراجعة وتصحيح الكثييير من المعلومات والعلوم، الاجتماعية منها أو الطبيعية (ولم ندرس شيئا يُذكر من العلوم الإنسانية في المسار العلمي في الثانوي)، فمناهج التاريخ مثلا على طول مراحل التعليم، تقدم التاريخ حقَبًا مبتورة من جهتيها، وحينما يُتم الطالب مرحلته الثانوية يصبح لديه تصورا عن تاريخ السيرة النبوية والخلفاء الراشدين ولمحة مجزوءة عن بعض الدول الإسلامية الأموية والعباسية والأندلسية مع مرور عابر على دول المماليك والموحدين، ثم يقفز التاريخ قفزة طويييلة متجاوزا الدولة العثمانية والحروب العالمية إلى تاريخ تأسيس الدولة السعودية، ويُدرّس هذا المنهج مرتين!.

لا يوجد تصور عن تاريخ الأمم المتقدمة، لا الساسانيون ولا الغساسنة ولا اليونانيون والروم ،، لا يوجد تصور عن التاريخ المتقدم ولا المتأخر للدول العربية؛ العراق ومصر واليمن والشام وبلاد المغرب العربي، فتصبح السلسلة الجينية التاريخية لدارس هذا المنهج هي كالتالي: عصر صدر الإسلام > ما بعده إلى الدولة العثمانية > الدولة السعودية، ويكون التصور التاريخي لدى الطالب خطّيا قصيرا بلا ارتباطات ولا تشعبات مع غيره من الشعوب والحضارات، وهذا يؤدي إلى نتيجتين:

  • تكوين عزلة تاريخية وحضارية لدى الطالب، فهو لا يعرف من العالم إلا تاريخ امتداده، ونزرا يسرا عن تاريخ الناس الذين كانت لهم علاقة بأحداث التاريخ المُدرّس،
  • ومع قليل من تلميع التاريخ (المتأخر تحديدا) تتكون لدى المتعلم شخصية فوقية متعالية على غيرها، ترى أنها أقرب خط واصل لعصر النبوة، وربما هو عصر تصحيح للأخطاء التي حصلت بعده في سبيل العودة إليه.

وذكرتُ مشكلة منهج التاريخ لأنني أشعر الآن بحجم الفجوة الكبير التي لدي عنه خصوصا، مع الإيمان بأن أحد أهم أساسات نهضة أي أمة فهمُ تاريخها، ولأنه علم جامع يشترك في بقية العلوم، فلكل منها تاريخ؛ العلوم الدينية والسياسة والثقافية والتطبيقية، وإذا ما فهمنا التاريخ بشكل صحيح ومترابط مع تاريخ العلوم الأخرى، أصبح لدينا خط متصل وطريق سهل التتبع لأصلنا وأصل ما نتعلمه وندرسه.

والاجتزاء و(صندقة) العلوم مفصولة عن بعضها هي صفة لعلاقة المناهج والعلوم ببعضها وليست صفة لمنهج التاريخ وحده. في الصف الثالث الثانوي كانت الامتحانات النهائية تأتينا من وزارة التربية والتعليم، وكان اختبار مادة النحو قبل اختبار مادة الأدب العربي، جاء في اختبار الأدب سؤال لإعراب أول كلمة في بيت شعري، حيث كان البيت من أحد قصائد مدح الملك عبدالعزيز وبدأ بـ (عبدَالعزيز …)، اعترض عدد كبير من الطلاب على هذا السؤال الذي ليس له علاقة بمنهج الأدب البتة، ولم يجدوا ما يتعلق بالإعراب في صفحات كتابه، إلا أننا قبل يومين منه اختبرنا في مادة النحو التي من مواضيعها أسلوب النداء وإعرابه! (وقد أجبت وقتها على هذا السؤال فرحا باكتشافي لحيلة الوزارة بإدخال المنهجين في بعضهما لإرباك الطلاب).

هل تقتصر الدول العربية على توجيه العلم للناحية النظرية أكثر من توجيهه للعلوم التطبيقية؟

حسنا، ليس لدي تصور عن مناهج الدول العربية ولا الغربية، لكن التصور المجمل والمتعارف عليه هو أن الغرب متفوق على الشرق في مناهجه وأساليبه التعليمية، ومع هذا فقد قدم رجل الأعمال البرازيلي ريكاردو سيملر تجربة في التعليم كان باعثها هو ضعف الجانب التطبيقي في العلوم التي يتم تدريسها في المناهج. أسس ريكاردو سيملر عدة أعمال وشركات كلها تقوم على حرية الموظفين في عملهم، فهم من يحدد أماكن عملهم، وأوقات دواماتهم، واختيار إجازاتهم مع خيار شراء يوم من أيام الأسبوع مقابل جزء مقتطع من رواتبهم، بل الموظف هو من يحدد راتبه الذي يريد أن يعمل مقابلا له!

ومن ضمن أعمال ريكاردو مدرسة أسسها على نفس مبدأ بقية شركاته، فالطلاب هم من وضع قوانين المدرسة، ولا توجد مناهج تعليمية بكتب مخصصة في هذه المدرسة، وإنما تم تقسيم المواد في كل فصل دراسي إلى أنشطة مثيرة ويمكن أن يختار الطالب في كل فصل النشاط الذي يستهويه، أحد المواد مثلا هو صنع دراجة هوائية، يبدأ الفصل الدراسي بالتخطيط للدراجة ورسمها وتصميمها ثم جمعها وتركيبها، في حديثه عن تجربة المدرسة في أحد لقاءات تيد العالمية (يمكنكم مشاهدته هنا) تحدث عن مادة صناعة الدراجة: إن الجميع يعرف أن قيمة ط (π) في القوانين الرياضية تساوي 3,14 ولكن القليل من يعرف أين وكيف تُستخدم في الحياة العملية، الطالب في هذه المادة يتعرف على هذه القيمة بعد أن يستخدمها عمليا في إحدى تطبيقاتها. حاول ريكاردو أن يعمم تجربته لتصبح معتمدة في عدد أكبر من المدارس، ولكن معارضة قوية قابلت اقتراحه.

تحدث محمود شاكر في رسالته (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) بأسولب بديع وتأصيل رائع عن شكل الثقافة المتداولة في مصر، وأثر الاستعمار عليها حيث قفز ما بين عصره وعصر الفراعنة ليحذفه من البنية التاريخية للمجتمع. هذا في مصر، ولا أظن أن بقية الدول العربية بعيدة عن هذا النموذج، وقد تحدث د. محمد الأحمري في مذكراته (مذكرات قارئ) بحرقة عن واقع الدول التي تنفق أموالا طائلة في التعليم بحجة ظاهرة وهي تطويره، وهدف مبطن وهو نشر الجهل والإبقاء على مستوي متدنٍّ من الوعي.


تعليقك يُثريني :)

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s