المهارات والتوجه العقلي – Skills and Mindset

ترتب جامعة الفيصل الأهلية ضمنَ برنامجها لماجستير إدارة الأعمال MBA مادة تتم دراستها في إحدى الجامعات الدولية في برنامج مضغوط ومكثف، ويوفر هذا البرنامج تجربة ثرية للدراسة في الخارج لمن هو ليس مبتعثا، كما أنه يتضمن عددا من الزيارات الميدانية لأماكن يتميز بها البلد ولها علاقة بموضوع المادة. في صيف 2015 كنت ضمن مجموعة سافرت إلى جامعة نينرود في هولندا، لحضور برنامج دراسي حول القيادة وفعالية العمل ضمن فريق “Effective Work Team Leadership”. من أكثر الأمور إثارة في البرنامج هو الجامعة نفسها، فهي الجامعة الخاصة الوحيدة في هولندا، وفصول الجامعة وغرفها هي غرف قلعة نينرود القديمة والبديعة في مدينة بروكلين الهولندية حيث قام بعض التجار الهولنديون بتحويل القلعة إلى جامعة بعد الحرب العالمية الثانية رغبة في تطوير البلاد والنهضة بها بعد الحرب.

0Z4A7652

0Z4A7686

مفهوما القيادة وإدارة فريق العمل أو مهارات العمل ضمن فريق (هل قلت مهارات؟) كانا مفهومين غامضين لسعتهما ولأنه لا نظام علمي أعرفه يمكن أن يُحكم تعريفهما ويكون قانونا في مجالهما، فهي (مهارات) والمهارات أكثر عموما من النظريات العلمية ولا يمكن تعميم قانون واحد يضبطها، ولذلك فقد كنت أتساءل عن طبيعة ما سنتعلمه في هذا البرنامج، وما هي النظريات التي اكتشفها أيا كان في هولندا وأجمَعَ بها هذين المفهومين.

انقسم البرنامج الدراسي لهذه المادة إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول كان أشبه بدورات تطوير الذات والتوجه العقلي للشخص، والقسم الثاني كان هو الجزء النظري للبرنامج، ثم القسم الأخير وهو الجانب العملي وهو يقوم على بعض الأنشطة والتمارين التي تنتهي بجلسة مراجعة وتحليل لكل تمرين حتى نصل إلى خلاصة وفكرة. وقد اعتراني شيء من الاستياء في اليومين الأولين، فأنا لا أحب الدورات التدريبية إجمالا، ولا أحب نمط المدربين الذي أصبح مألوفا ومكررا وتستطيع أن تعرف تماما ما الخطوة التالية التي سوف يتخذها المدرب، أو الهدف من أي تصرف يقوم به؛ ولكنني اقتنعت في نهاية البرنامج بأن هذه كانت أفضل طريقة لتقديم موضوع يدور حول (المهارات)، ولا أخفيكم أنني استفدت من هذا القسم التدريبي تحديدا.

الفائدة الأكبر التي تعلمتها هي أن البرامج التدريبية تنقسم إلى نوعين:

  • التدريب على المهارات، مثل مهارة الكتابة والحساب والمهارات الجسدية الرياضية Skills.
  • التدريب على التوجه العقلي، مثل الإيجابية والتعامل مع الآخرين والاستماع لهم، والقيادة Mindset.

النوع الأول أسهل في التدريب، وأسهل في قياس الفائدة التي اكتسبها المتدرب من الدورة، والعكس في النوع الآخر. ولذلك فإن الجزء الأكبر من ميزانية التدريب في الشركات يذهب في برامج تدريبية من النوع الأول.

المفاجأة هي أن المهارات تؤِثر في كفاءة الشركات بنسبة 20% فقط، بينما تأثير التوجه العقلي نسبته 80%!

كيف؟

في دراسة أجرتها مجموعة بحثت في أكثر من 3200 مشروعا (بإمكانكم القراءة عن هذه الدراسة في التدوينة السابقة) عن أسباب نجاح المشاريع الناشئة، وجدوا بأن أغلب أصحاب المشاريع يقودهم الحماس والإلهام إلى النجاح، وليست الخبرة، ولا المستوى العلمي!

الشغف والإلهام هما ما يعبران عن التوجه العقلي، الخبرة والمستوى العلمي هما ما يعبران عن المهارة التي يملكها الشخص، وبطرقة أخرى للتوضيح، فإن عضو الفريق الذي يتميز بعدد من المهارات ولكنه لا يحسن العمل مع زملائه، ولا يحسن الاستماع إليهم ومشاركتهم الآراء، ولا يستطيع أن يعفو ويتغاضى، فإن تأثيره على كفاءة هذا الفريق سيكون سيئا جدا، على عكس الشخص الذي لا يمتاز بالكثير من المهارات ولكن تأثيره إيجابي على كفاءة فريقه لأنه يعرف كيف يتعامل معهم وكيف يكسب ودهم.

ومع أن عنوان هذا البرنامج يدور حول المهارات الحياتية أو التوجه العقلي، إلا أن جزءا منه كان محاضرات علمية، وهذا يفتح الباب إلى نقاش ثانٍ، وهو أن كثيرا من العلوم الاجتماعية والإدارية نتجت عن ممارسات عملها الناس باعتبارها فنونا، ثم كتبها هؤلاء أو غيرهم لتتحول إلى نظريات علمية، ويبدو أن هذا هو توجه البشر في العصور العلمية، تحويل الفنون إلى علوم وتقنينها حتى تكون قوانينها وأسسها متاحة للجميع لاتباعها وتدريسها.

الشخص الذي قدم لنا هذه المحاضرة رجل عجيب اسمه كريستو نيل وهو المسؤول عن برنامج الماجستير في جامعة نينرود لإدارة الأعمال، وهو متخصص ماهر في القيادة والتدريب. المحاضرة معه ممتعة (هذه أحد محاضراته عن القيادة) فهو متحدث ومستمع جيد بتسلسل أفكار واضح ورزين، إضافة إلى ذلك فإن سيرته عجيبة، فقد كان رجلا شديد العصبية ولا يحسن الاستماع إلى الناس ولا يستطيع أن يصبر! فتغير وكان سبب تغييره هو أنه التزم مع شخص كان له مدربا ليغير من طريقته في الحياة، فكما قال: I have been coached.

أختم بخلاصة بديعة قالها كريستو هذا، فقد قال لنا في نهاية إحدى المحاضرات: إن جميع ما نقدمه من مهارات القيادة والتدريب وتطوير الناس وتوجيههم نحو الأفضل قد جاء توجيها وإرشادا في الأديان كلها، أنتم كمسلمون تعرفون هذا، وتشاهدونه في سيرة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك نحن المسيحيين.

 


4 thoughts on “المهارات والتوجه العقلي – Skills and Mindset

تعليقك يُثريني :)

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s