نحن .. واللعبة التي نعيش ضمن قوانينها

في أحد أيام البرنامج الدراسي الدولي اللاحق لبرنامج الماجستير والذي حضرناه في جامعة نينرود (تحدثت عن البرنامج في التدوينة الثانية)، قمنا بعمل تمرين مثير جدا، وهو عبارة عن لعبة لمحاكاة الحياة العملية لإحدى الشركات، مدة المحاكاة هي خمسة أيام عمل في الشركة، وكل يوم يعادل ١٥ دقيقة من وقتنا الحقيقي.

تم تقسيمنا إلى أربع مجموعات حسب بنية الشركة:

  • الطبقة العليا (Tops) وهي تمثل الإدارة العليا
  • الطبقة المتوسطة (Middles) وهي تمثل الإدارة المتوسطة
  • الطبقة السفلى (Bottoms) وهي تمثل الموظفين
  • العملاء (Costumers)

وقبل بداية اللعبة كان هناك عدد من القوانين التي يجب ألا نبدأ إلا بعد أن نلتزم بها، وكانت بعض تلك القوانين ليست منطقية أبدا، تماما كالقوانين التي تحيط بنا في حياتنا:

  • في اليوم الأول ستكون الإدارة العليا مشغولة في اجتماع لمجلس الإدارة، ولن تشارك بقية طاقم الشركة في العمل.
  • ستتكفل الإدارة المتوسطة بالأعمال الإدارية للشركة في اليوم الأول نيابة عن مجلس الإدارة.
  • لا يمكن للموظفين أن يتواصلوا مع الإدارة العليا إلا عن طريق الإدارة المتوسطة.
  • على الموظفين (في الطبقة السفلى) أن يلتزموا بالعمل ضمن منطقة محددة تم تحديد حدودها بشريط لاصق على الأرض، ولا يمكنهم تجاوزها إلى أي مكان آخر.
  • يعمل الموظفون (في الطبقة السفلى) بدون ارتداء أحذيتهم! وستتكفل الإدارة العليا بالاحتفاظ بها في مكان آمن.
  • يحق للإدارة تغيير أي قانون من هذه القوانين.

طن طن طن .. بدأت اللعبة

أخذ كل فريق موضعه من الغرفة التي أخذتُ لها صورة قبل أن يتم ترتيبها لتناسب اللعبة، الإدارة العليا على طاولة تناسب مقام مجلس الإدارة عليها طبق من الكعك والحلويات وإبريق قهوة في الجهة اليمنى من الغرفة بجوار الباب. الإدارة المتوسطة على طاولة في وسط الغرفة بالقرب من الموظفين، والموظفون على ثلاث طاولات متجاورة في الجهة اليسرى بجوار النوافذ، بلا أحذية ،، وقد كنت منهم!

0Z4A7675

بدأ مجلس الإدارة العليا بالتخطيط لمستقبل الشركة (والذي سينتهي بعد ثلاث ساعات على الأكثر) مستمتعين بالأطايب التي وُضعت على طاولتهم، وانطلق المدراء الذين بيننا وبينهم (الطبقة المتوسطة) لترتيب المهام وتوزيع الفِرق ومسؤوليات متابعتنا نحن الموظفين، وجلسنا نحن ننتظر قدوم العملاء. دخل العملاء -وكانوا ثلاثةً- من الباب الخارجي، تم استقبالهم وتوجيههم إلى الموظفين، كل عميل على طاولة ،، وبدأوا بسرد طلباتهم.

كانت الشركة إذن عبارة عن مجلس إدارة يناقش مستقبلها بعيدا عن معرفة ما يدور فيها حقيقة، فضلا عن معرفة ما تقدمه الشركة لعملائها وما يريده عملاؤها منها، والإدارة المتوسطة تخطط لكيفية متابعة مَن تحتهم وإدارة إنتاجهم، ومَن تحتهم (الموظفون) يطحنون ويجهدون لتلبية طلبات العملاء باجتهاد من أنفسهم من غير أن يعرفوا التوجه الاستراتيجي للشركة .. كانت فوضى!

بعد الخمسة عشر دقيقة الأولى (اليوم الأول في الشركة)، دعا منظّم اللعبة إلى التوقف للخروج منها (ذهنيا) وعمل جلسة تقييم سريعة، اتفق الجميع على أنهم تعلموا من اليوم الأول وبأن أداء الشركة سيتحسن في اليوم الثاني، خططنا قليلا لما يجب أن يتم عمله. طن طن طن .. نكمل اللعبة

عاد كل فريق إلى مكانه، مجلس الإدارة إلى طاولتهم قبل النزول إلى ميدان الشركة لمتابعة ما لم يشرفوا عليه في اليوم الأول، المدراء في طاولاتهم بانتظار أعضاء مجلس الإدارة، الموظفون على طاولاتهم مستمرين في عملهم على تنفيذ طلبات العملاء .. بلا أحذية! والعملاء يتخبطون بين العاملين في الشركة لمتابعة منتجاتهم المطلوبة.

هل تغير شيء؟

لا، لم يتغير شيء .. استمرت الفوضى، أو قل: زادت، وازداد معها انزعاج جميع طبقات العاملين في الشركة، أكثرهم انزعاجا هم الموظفون بسبب كثرة القوانين والحدود والمهام، ثم الإدارة المتوسطة لأنهم أصبحوا بين جهتين تأتيان لهم بالمشاكل ووجع الرأس، ثم مجلس الإدارة وانزعاجهم هو شعورهم بفقد السيطرة. انتهى اليوم الثاني ودعا المنظم إلى جلسة أخرى، تناقش الجميع واعترفوا بأن الفوضى زادت وبأنهم تعلموا من يومهم الثاني وسوف يصححون الوضع بكل تأكيد حال ما نعود إلى لعبتنا. حاولت في كلا الاجتماعين أن أقنع الجميع بضرورة تخطي القوانين والتقسيم الذي وُضع لنا خصوصا وأن تغييرها بيدنا، بيد أعضاء الإدارة، ولكن يبدو أنه كان للأصدقاء رأيٌ آخر!

بغير إسهاب في التفاصيل، استمرت الفوضى على حالها حتى نهاية اللعبة ..

ما الذي حصل؟

في هذه المحاكاة، انتقلنا بسرعة رهيبة إلى مراحل متقدمة جدا من التعقيد في العمل الجماعي، وتسارعَ معها معدل التوتر وتلف الأعصاب، كان المشاركون فيها على ثلاثة أنواع: المتقبّل والمستمتع بالوضع مع محاولة التطوير والتحسين ضمن حدود القوانين التي لم يرغب في تغييرها، المُستاء الذي يرى ضرورةَ تغيير قوانين اللعبة فرفض طريقة اللعب واصطدم مع زملائه لينسحب متذرعا بمكالمة هاتفية (هذا أنا P:)، مَن لم يعجبه الوضع ولكنه استمر أمَلا في انتهاء اللعبة قريبا والخروج من هذا الجو الحرِج.

عند نهاية اللعبة كانت هناك الكثير من الانتقادات والآراء التي تقول بأن الفوضى التي وصلنا إليها لا يمكن أن تكون حقيقية أبدا في أي منظومة، وكان البروفيسور المرافق لنا يراقب اللعبة بنظرة شاملة، فقال: يا أصدقاء، كأنني أنظر إلى المنظومة الإدارية في الجامعة التي أعمل فيها! ذات الفوضى وذات التعقيد وعدم الاتفاق في اتخاذ القرارات والتخبط بين المستويات الإدارية ،، إن ما شاهدته هنا حقيقي جدا!

انتهت اللعبة .. وعلى قدر ما سببته لي من انزعاج إلا أنني استفدت منها فائدة عظيمة جدا، استفدت في أنني كسرت فيها حاجز الرفض والصدام الواضح والمباشر، حين بلغ مني الاستياء مبلغه ورفضت الاستمرار (مع أنها لعبة)، إلا أن بعض القرارات التي يصعب عليك اتخاذها تحتاج منك إلى موقف تضعك فيه الظروف وتحملك نفسك على اتخاذها حتى ينكسر الحاجز ويصبح في متناول يديك تكرار ردة الفعل مستقبلا بدون تردد.

واستفدت في إدراك شيء مهم جدا حول ما يوجّه تصرفاتنا وردود أفعالنا؛ نظن دائما بأننا نقود أنفسنا وتصرفاتنا وقراراتنا عن طريق دواخلنا، وأننا نملك حرية الاختيار المطلقة، ولو نظرنا إلى حياتنا نظرة علوية لانكشف الغطاء عن المجالات التي تحيط بأفعالنا وتوجهها، عن المناصب والمسميات التي نتقمص أدوارها ونتصرف تبعا لها، عن القوانين التي نفترض أننا لا نملك تغييرها، بل نزيد عليها مئة افتراض وافتراض لتتحول إلى قوانين إضافية تحكم تصرفاتنا. عدد كبير من الأسئلة التي تبادرت إلى ذهني بعد هذا التمرين المثير: ما الذي يصنع القائد والمدير، هل هو المنصب أم شخصيته؟ ما مدى تأثير شخص على منظومته التي يعيش فيها؟ كيف للإنسان أن يحيط نفسه بمجالات تحكُمه، أو لنقل صناديق توجّه تفكيره، وكأنه لن يشعر بالارتياح إلا إذا أُحيط بدائرة من القوانين؟ ما هذه القدرة العجيبة التي يستطيع معها الإنسان أن يتقمص الدور الذي يلعبه وأن يتصرف وِفقا له؟!

خلقنا الله أحرارا، فأبينا إلا أن نقيّد أنفسنا.

أمرَنا بالتغيير، فتركنا هذه المهمة لمن نظنهم في مستوى أعلى منا، إلى الذين استغلوا قانونَين وزادوا عليها عشرا لتكون في صالحهم.

أحد الأعمدة التي ربانا عليها نبينا صلوات الله وسلامه عليه هي الوعي والإدراك؛ إدراك أنفسنا بالخروج بأفعالنا من العادات إلى أعمال ندرك هدفها، بالنّيّة. تربينا على إدراك ما حولنا، بالمشاركة وتحمل المسؤولية في جميع نواحي الحياة، في البيت وفي الجيرة وفي المجتمع .. ولكننا نغوص في النظام (System) الذي نُوضع فيه، نبذل ونجتهد، برؤوسٍ لا ترتفع لمستوى إدراك قوانين هذا النظام وأهدافه، ونُفني بذلك جهودنا وأعمارنا حتى نخرج منه .. ويبقى النظام هو النظام، وتبقى اللعبة هي اللعبة.


2 thoughts on “نحن .. واللعبة التي نعيش ضمن قوانينها

تعليقك يُثريني :)

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s